قطاع غزة بين سياسة الانعاش المبكر واستراتيجية "قوت ولا تموت"



تم الانتهاء مؤخرا على المستويات المحلية والدولية، الحكومية وغير الحكومية من تحديد الاحتياجات الانعاشية السريعة للقطاع الزراعي في غزة ، ولكن كما نرى ونعلم هناك العديد من التحديات بل والمخاطر التي قد لايدركها الكثير من الناس والمؤسسات والمهتمين، الخصها في عدد من مشاهد الآتية:-


إن الطابع العام والمحدد لمعظم التدخلات المنوي تنفيذها دوليا في غزة على الاقل خلال السنتين القادمتين ذات طابع اغاثي انعاشي لايمت بصلة بإعادة إعمار حقيقية للقطاع الزراعي وهذا للأسف ينسحب على باقي القطاعات الاقتصادية والسكانية المتضررة .

- مع الاحترام الشديد لدور العديد من المنظمات  الدولية الا ان الجزء الاكبر من تقدير الخسائر والأضرار ما بعد حرب غزة تمت بالأساس من قبلهم بمشاركة مجتمعية ضعيفة، إن لم تكن شكلية من المجتمع المحلي ومنظماته ، يضاف على ذلك حالة التشرذم وعدم التنسيق فيما بين الجهات الحكومية وغير الحكومية الفلسطينية في عمليات رصد الأضرار والاحتياجات و تحديد أولويات التدخل بما يتفق مع الواقع الفلسطيني المعاش والتحديات السياسية والاقتصادية المطروحة ضمن خطة وطنية فلسطينية شاملة ومتكاملة.


- كثيرا من تلك المنظمات الدولية التنموية أصبحت الآن تغير من صفتها التنموية، الى الإغاثية الإنعاشية، بما يتلائم مع أجندات التمويل المطروحة عالميا وإقليميا لغزة! وهذا يضع" الكل الفلسطيني" الحكومي وغير الحكومي ومنظمات الضغط المحلية المناصرة والصديقة أمام تحديات عظيمة وكبيرة لممارسة الضغط على برامج تدخل تلك المنظمات، من اجل اعطاء الأولوية لتدخلات الإعمار الحقيقية وإعادة التأهيل وممارسة الضغط المنظم على الاحتلال، من أجل إدخال المواد اللازمة لإعمار وتأهيل قطاع غزة المحاصر والمدمر، بدلا من إضاعة الوقت والجهد والمال في وجهة غير حقيقية ولأهداف آنية تجميلية مؤقتة، اي بمعنى ممارسة الضغط لتغيير وجهة واستراتيجية التدخل الجاري تنفيذه الآن في غزة، من استراتيجية " قوت ولا تموت" الى استراتيجية "إعادة التأهيل والإعمار من منظور تنموي" أي من منظور تنموي وطني يأخذ بالاعتبار معاناة ومآسي واحتياجات الناس الحقيقية .


- يشهد قطاع غزة الآن ، تدفقا غير مسبوقا لعشرات البرامج والمنظمات الدولية ، الإغاثية والإنعاشية ، والإنسانية ، وأخرى للطوارىء ، مقابل هذا ، هناك تراجع ملموس ومربك في مشاهد البرامج والمؤسسات الدولية التي تتبنى نهج وطرق وآليات التدخل ذات الطابع والصبغة التنموية أو حتى ذات العلاقة بمشاريع إعادة الإعمار والتأهيل للقطاعات الاقتصادية والاجتماعية المدمرة والمتضررة ، ليس فقط من العدوان والحرب الأخيرة بل أيضا جميع الأضرار والخسائر التي مني بها قطاع غزة وسكانه على مدار السنوات الثمانية الماضية وفي مختلف القطاعات والمرافق الاقتصادية والاجتماعية.

- هذا الوضع نتج عنه الآن حالة تنافسية وإرباك في الأدوار والتدخلات مابين المؤسسات الأهلية الفلسطينية والدولية ، وفي تقديري فإن معظم المؤسسات الفلسطينية الأهلية -بغض النظر عن تسمياتها وأحجامها وألوانها-مقبلة على معركة أجندات عمل ، بل معارك تحديد أدوار ومسؤوليات، ستحدد فيها أشكال التدخل ومناهج طرق وأساليب العمل محليا ، وكل ما أخشاة للاسف الشديد، التحاق الأجندة المؤسسية الأهلية الفلسطينية -والتي تمتعت حتى الآن بحد معقول من الطابع الوطني التنموي - بالأجندة المؤسسية الدولية- ذات الطابع الدولي الانعاشي الاغاثي في الوقت الراهن، وهو مايعني بنظري ازاحة مشهد غزة وتحريكه نحو مربع الوصاية الإنسانية الدولية وقد يصل الأمر الى أحد اشكال الوصاية السياسية!

هذا يعني أن هناك جملة تحولات استراتيجية مؤسسية مرتقبة قد تكون بدأت- ستعيشها، أو تعاني منها ، مجمل مؤسسات الفعل التنموي المجتمعي الفلسطيني في قطاع غزة ، بل في مجمل الوطن الفلسطيني المفتت والمقسم ، وأول مؤشرات هذا المشهد في تقديري هو حدة  التنافس بل التهافت على "سوق مقاولاتالبرامج والمنظمات الدولية الإنعاشية والإغاثية في غزة، بأبخس الأثمان ، لتسخير ماتمتلكه مؤسساتنا وبرامجنا المجتمعية الفلسطينية من مقدرات قيمية ومادية، تراكمت فيها الكثير من خبرات الفعل التنموي والإغاثي الذي تميز بالوطنية والأصالة والاستدامة، الى جانب مخزون المعارف والممارسات الداعية الى الاعتماد على الذات وإدارة الموارد المحلية على قلتها  والتى تراكمت منذ سنوات ماقبل الانتفاضة الأولى الى أيام ما بعد حصار وحرب غزة .


- الجزء الاكبر -في تقديري- من تلك "المعركة التنافسية" آنفة الذكر سوف لاتتمحور حول التمويل ومصادره والياته-قد تكون- بل ستتمحور بالأساس  حول سياسات ومناهج وقيم ومعايير العمل البرامجي التى ستنعكس بالضرورة على مجمل المشاريع الجارى تنفيذها وتلك المنوي تنفيذها لاحقا . الخطورة ان هذا يحدث في الوقت الذي لانلمس فية اي شكل حقيقي وواقعي من اشكال الشراكة المؤسسية اوالتنموية او الاغاثية المتوازنة ، التي يمكن ان تاخذ بعين الاعتبار ليس فقط الاحتياجات المحلية للفقراء والمتضررين بل ايضا المقدرات والامكانات والتطلعات الخاصة بالمجتمع المحلي ومؤسساتة على المستويات القريبة والمتوسطة والبعيدة المدى.

 

- ان ما لايبشر بالخير ويبعث على الاحباط و خيبة الامل هو مايكتنف المشهد السياسي الفلسطيني المشتت والمازوم ، لذا ارى ان هناك بعض المخاوف المجتمعية والمؤسسية من اعتبار هذا الوضع امرا واقعا وبالتالي التكيف معه، مما يعني ضرب واضعاف قيم الفعل المؤسسي المجتمعي وتشتيت قدراته ومقدراته وفقدانه للبوصلة والوجهة الحقيقية. ان استمرار هذه الحالة من عدم التوافق السياسي والمجتمعي الفلسطيني يشكل خطرا وتهديدا حقيقيا لاى محاولة لتعزيز او بناء شراكة مؤسسية اغاثية او تنموية حقيقية بين طرفين (محلي ودولي) تتمتع باسس وامتدادات شعبية ومجتمعية عميقة، تسهم في ابراز بل وتعطي الاولوية للحاجات والاولويات المحلية كما يراها المجتمع المحلي ومؤسساته المجتمعية. ان توفر هذه الحالة او هذا الاطار يسهل ويسمح ببناء دائرة فعل وتاثير متكاملة لتخطيط ورقابة وتقييم مجمل التدخلات المطروحة والمقترحة بمشاركة حقيقية وفاعلة من الجميع. مع ضرورة اعطاء الناس المساحة الكافية والاليات المرنة والمناسبة لقول كلمة الفصل في تقدير وتقرير ما هو مطلوب والبناء على ما هو موجود لديهم من مقدرات ومخزون معرفي ممارس على ارض الواقع.


- ان مايثير القلق هنا هو مايتضمنه المشهد المؤسسي الفلسطيني المحلي من غياب واضح وفاضح لاشكال حقيقية للشراكة الاغاثية اوالتنموية الفاعلة بحق، وغياب الدورالفاعل المفترض لشبكات المؤسسات المجتمعية الاهلية الوطنية والمتخصصة، لتفعل فعلها وتاثيرها تجاه التهديدات والقضايا الوطنية والمجتمعية الساخنة والمتصاعدة على الساحات الشعبية والمؤسسية محليا واقليميا وعالميا. ففي ظل ضعف اوغياب الشراكات المؤسسية المحلية الفاعلة والمؤثرة، من الصعب بل من المستحيل الحديث عن بناء  شراكات اقليمية ودولية حقيقية ومتوازنة تسهم في تعزيز وحفز نقاط القوة والتاثير المؤسسي. فاشكال واطر " الشراكةالموجودة حاليا لا تتعدى في قوتها اطار العلاقات والاتصالات والتنسيق والتعاون الجزئي غير المتكامل وتبادل المعلومات العشوائي المربك وغير المنظم . هذا يحدث بالطبع في ظل غياب الاطار " النهج" السياسي الاستراتيجي الناظم والموجه لمجمل علاقات التعاون الفلسطيني محليا واقليميا وعالميا . فنشوء مثل هذا الاطار يمكن ان يظلل بل يعزز مجمل التدخلات الاغاثية والتنموية المحلية والاقليمية والدولية بما يتفق مع الحاجة الملحة والقدرة والامكانات المتوفرة محليا مما يمهد لتعزيز الوجهة نحو الشراكة الاغاثية والتنموية الممؤسسة بعيدا عن حالة الارباك وفقدان الوجهة التي تكتنف تفاصيل المشهد المؤسسي الفلسطيني، لم لا وهو جزء هام من مكونات المشهد الفلسطيني المجتمعي والسياسي العام!


- في خضم الوضع الحالي وضمن التحديات الوطنية (الاغاثية والتنموية)، والتي قد يكون من اخطرها على الاطلاق، هو الموقف وعلاقات القوة والتاثير- موقف المؤسسات الدولية والمحلية-حكومية وغير حكومية مما يسمى "المنطقة الامنية العازلة" التي اقامها الاحتلال الاسرائيلي على طول الحدود الشمالية الشرقية بطول 60 كيلو متر وعرض يتراوح مابين 300- 1000 متر على حساب اخصب الاراضي الزراعية في القطاع، تسمى بالامنية وقد ادخلت الفزع والخوف في نفوس سكانها ، ودفعت وهجرت مئات المنشئات والاسر المزارعة باتجاة مدن ومناطق القطاع الغربية والجنوبية ولا ننسى الضغط من جهة البحر . مع العلم ان هذة المنطقة الشريطية الممتدة منعت استخدام اكثر من 25% من اراضي القطاع الزراعية وعطلت عن العمل مايزيد عن16% من المزارعين.

للاسف الشديد لم تتضمن معظم اجندات وبرامج المؤسسات الدولية -وبالتالي كثير من المؤسسات المحلية كتحصيل حاصل- اي خطط واضحة المعالم (خطط ضغط ومناصرة مترافقة مع عمل على الارض) للتدخل من اجل اعادة اعمار هذه المنطقة المنكوبة والتى امتدت معاناة سكانها الى سنوات ما قبل حرب غزة، واعادة توطين سكانها المهجرين وعودتهم الى منازلهم ومزارعهم .


- يوم بعد يوم تتكرس هذه المنطقة كأمر احتلالي واقع (كما حصل مع الجدار ومنطقته الامنية العازلة في الضفة الغربية). ان ما يدعى "بالمنطقة الامنية العازلة" اصبح يهدد من الناحية العملية اهم مخزون للمصادر الطبيعية في قطاع غزة (مساحات الاراضي الخصبة والمياه). هذه المنطقة شكلت ومازالت سلة الانتاج الزراعي والحيواني والامن الغذائي لسكان قطاع غزة، كما يجب ان لاننسى ولو للحظة واحدة ان هذه المنطقة وما تحويه من مصادر ومساحات ممتدة تشكل المنفذ العملي الوحيد لاى تمدد سكاني وحضري متوقع في السنوات القريبة القادمة.


تاكيدا لما اوردته انفا فان مجمل ما يحويه هذا المشهد من تعاريج وخطوط قد تؤدي بنا الى مشهد اكبر حجما واكثر امتدادا وتاثيرا ، وقد يمهد لبدايات مشهد التهديد الاستراتيجي للوجود السكاني في اجزاء هامة من قطاع غزة ينتهي بحشر احتلالي قسري يتبعه دفع سكاني اضطراري نحو فوهة الزجاجة الغزية المضغوطة والمتجهة نحو الصحراء!  



30 مايو 2009 


احمد الصوراني –غزة

خبير تنموي

3